ملا محمد مهدي النراقي

59

جامع السعادات

يقدر ما يخرج أحدهما يدخل الآخر وبالعكس . ومنها : الغنى وهو وجود كل ما يحتاج إليه من الأموال ، وهذا أقل مراتبه ، وفوق ذلك مراتب لا تحصى ، حتى ينتهي إلى جمع أكثر أموال الدنيا ، كما اتفق لبعض الملوك . ثم ( الغني ) إما أن يكون بحيث يسعى في طلب المال وجمعه ويتعب في تحصيله ويكره خروجه عن يده ويتأذى به ، وهذا غني حريص . أو يكون بحيث لا يتعب ولا يسعى في تحصيله ، إلا أنه لما أتاه أخذه وفرح به ، مع تأذيه بفقده وكراهته له ، وهذا أيضا لا يخلو عن الحرص لحزنه بفقده . أو يكون بحيث لا يتعب في طلبه ولا يرغب فيه رغبة يفرح بحصوله ويتأذى بفقده ، ولكن لما أتاه رضي به : إما مع تساوي وجوده وعدمه أو مع كون وجوده أحب إليه من عدمه ، ومثله الغني الراضي والقانع . وأيضا الغني إما أن يكون جميع ماله حلالا ، أو يكون بعضه أو كله حراما . وأيضا إما يمسكه غاية الامساك ، بحيث لا يؤدي شيئا من حقوقه الواجبة والمستحبة ، أو ينفقه في مصارفه اللائقة . وللإنفاق مراتب شتى : أدناها أن يؤدي الحقوق الواجبة ، وأعلاها أن يبذل كل ما يزيد عن أقل مراتب الغنى ، بحيث لو تعدى عنه يسيرا صار فقيرا . فصل ذم الغنى الغنى الحاصل من الحلال ، مع بذل ما يفضل عن أقل مرتبته في المصارف اللائقة ومساواة وجوده وعدمه عند صاحبه ، سالم من الآفات والأخطار . وغير ذلك من أقسامه لا يخلو عن آفة أو خطر ، وحبه بعض أفراد حب الدنيا ، بل هو راجع إلى حب المال بعينه . فيدل على ذمه ما ورد في ذمهما . وقد ورد في ذمه بخصوصه بعض الآيات والأخبار ، قال الله سبحانه : " إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى " ( 46 ) .

--> ( 46 ) العلق ، الآية : 6 - 7 .